الشهيد الشيخ فرحان السعدي

عدد الزوار : 1410
اخر تحديث للخبر : 2012-04-29 22:04:13

 
الشهيد الشيخ فرحان السعدي 

ولد رحمه الله تعالى في قرية نورس من أعمال جنين سنة 1864 م ونشأ وتربى في رعاية جده الذي كان يتحلى بالشجاعة والفروسية والجرأة في قول الحق ومقارعة الظالمين.

وقد استهل حياته العلمية بقراءة القرآن الكريم وترتيله، وحفظ أجزاء منه في مدرسة دينية محلية، ثم ارتحل إلى عكا حيث درس في المعهد الأحمدي مختلف العلوم الشرعية واللغوية، ثم سافر إلى سوريا حيث درس على بعض علمائها، ثم عاد إلى فلسطين فأسند إليه المجلس الإسلامي الأعلى وظيفة واعظ وإمام مسجد في بيسان.

وحين احتلت بريطانيا فلسطين وباشرت بتنفيذ خطتها في إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين هب يقاوم هذه الفكرة الخبيثة والإجراءات البريطانية الشريرة، فدعا إلى جهاد الإنجليز وقتال اليهود الطامعين، وشكل عصابة يقودها بنفسه لقتال الإنجليز واليهود.

وكان أول عمل جهادي قام به ضد حكومة الانتداب والمنظمات اليهودية معارضته في نقل ملكية مساحات شاسعة من الأراضي المشاع في غور بيسان إلى اليهود الصهاينة، إذ حدث أن اشترك مع عارف عبد الرازق في إثارة أهالي بيسان ضد ذلك الإجراء الجائر الذي ارتكبه المندوب السامي لصالح اليهود.

وفي الأسبوع الأول من شهر حزيران سنة 1921 وقف الشيخ فرحان السعدي على منبر صلاح الدين بالمسجد الأقصى- الذي أحرقه اليهود بعد حرب 1967- بعد أداء صلاة الجمعة ليكشف للمسلمين سوء نية الإنجليز تجاه فلسطين واعتزامهم إقامة وطن يهودي في البلاد، وذكر للناس على سبيل الاستشهاد حادثة اغتصاب أراضي المشاع في منطقة بيسان، واتخذ من تلك الحادثة مجالاً لإثارة الجماهير المؤمنة، وتحريضهم ضد البريطانيين، فتحمس المصلون وخرجوا من المسجد ساخطين ثائرين على اليهود والإنجليز ثم تحولت هذه المظاهر الشعبية التي كانت في أولها سلمية إلى معركة دموية سقط فيها عدد من الشهداء برصاص الإنجليز الذين اعترضوا جموع المتظاهرين في باب الواد والسلسلة وعند الباشورة من أجل المحافظة على حياة اليهود الصهاينة من تلك الغضبة العارمة، غير أن بنادق الإنجليز ورشاشاتهم لم تستطع حماية الصهاينة حيث قتلوا منهم عدداً كبيراً، فاعتقل الإنجليز على أثر ذلك الشيخ فرحان السعدي.

وكانت بين الشيخ فرحان السعدي والشيخ عز الدين القسام علاقة حميمة حينما خدما في الجيش التركي، ولما جاء عز الدين القسام من سوريا إلى فلسطين ليجاهد الإنجليز واليهود ذهب إليه وانضم إلى قيادته وحركته، وأصبح من قادة حركة الشيخ عز الدين القسام الجهادية.

ولما استشهد عز الدين القسام رحمه الله تعالى رحمة واسعة سنة 1935م استلم راية الجهاد من بعده، يقود المجاهدين بنفسه، وخاض معارك كثيرة مع قوات الاحتلال البريطاني والقوات اليهودية.

ومن هذه المعارك مهاجمته هو وجماعته لقافلة يهودية على طريق نابلس- طولكرم رداً على عدوان يهودي غادر وقع على إخوانه العرب في جوار حيفا، فانتقم من اليهود لهؤلاء الذين غدر بهم.

لقد أعلن الشيخ فرحان السعدي رحمه الله عن غايته من قتال الإنجليز واليهود في رسالة أرسلها إلى الأستاذ أكرم زعيتر يطلب فيها المساعدة منه، وأرسل له هذه الرسالة مع أحد المجاهدين سلمها له باليد في منزله بنابلس، وكتب له فيها أربعة أسطر، يقول:

نقوم بالواجب في سبيل الله، بدأنا وسوف ننتصر، الحاجة ماسة إلى خرطوش، المال نأخذه لهذه الغاية نعتمد عليكم.

لقد كان للشيخ فرحان السعدي رحمه الله شرف إطلاق الرصاصة الأولى لثورة العرب الكبرى التي عمت جميع أرجاء فلسطين واستمرت من سنة 1936م حتى سنة 1939م، وكان للقساميين في هذه الثورة دور كبير في خوض المعارك وقتال الإنجليز واليهود، فسطروا ملاحم البطولة والشرف والفداء، وقد تولى أبو إبراهيم الكبير القيادة العامة للثورة في المنطقة الشمالية من فلسطين، وتولى الشيخ عطية أحمد عوض قيادة منطقة جنين، وتولى الشيخ فرحان السعدي قيادة منطقة نابلس.

لقد قام الشيخ فرحان بعدد من المعارك خلال ثورة 1936م، فاشترك مع رجاله في معركة عين جالوت سنة 1936م، فجرح في زنده الأيمن جرحاً بليغاً مما أعاقه عن استخدام السلاح ولكنه لم يتوقف عن القتال، بل استمر يجاهد ويقاتل فاستعمل المسدس بيده الأخرى.

وفي 30/6/1936 قاد الشيخ فرحان السعدي والشيخ عطية مجموعة من المجاهدين تزيد على المائة لمهاجمة قافلة عسكرية بريطانية على طريق جنين- نابلس، فهاجموها وأوقعوا بها خسائر فادحة، أوشكت على الاستسلام لولا نجدة وصلتها من قوات الاحتلال البريطاني تقدر بألفي جندي تصحبهم الدبابات والمدافع والطائرات، فلم يتوقف الثوار عن القتال على الرغم من البون الشاسع بين القوتين في العدد والعدة، بل قاتلوا ببسالة، وهب لنجدتهم إخوانهم المجاهدون من القرى المجاورة، فكانت ملحمة فقد الإنجليز نتيجتها ثلاثين قتيلاً وتعطلت لهم مدرعة عندما انفجر فيها لغم أرضي.

أما المجاهدون فقد استشهد منهم ثلاثة أبطال في هذه الملحمة التي تروي بطولة الشعب المسلم في فلسطين ضد المحتلين والطامعين المتربصين.

لقد أدركت بريطانيا خطورة هذا الرجل وقيادته الفذة، فصممت على القضاء عليه بأي وسيلة فأصدرت حكومة الانتداب بلاغاً بدفع ألف جنيه لمن يدل على الشيخ فرحان السعدي لأنه رئيس عصابة الأشقياء وقطاع الطرق على حد زعم الإنجليز.

لقد عاد المجاهدون إلى بيوتهم بعد أن خبؤوا أسلحتهم، أما الشيخ فرحان السعدي فقد ذهب إلى سوريا والأردن يستحث الهمم لمساعدة المجاهدين في فلسطين بالمال والسلاح، ولما لم يكن الناس وبخاصة أصحاب النفوذ والسلطان على مستوى الأحداث والتفاعل معها، والإخلاص عاد الشيخ فرحان رحمه الله بخفي حنين إلى فلسطين، فقبضت عليه سلطات الاحتلال البريطاني، ومن الجدير بالذكر أن الشيخ فرحان السعدي كان الرأس المدبر لحركة القساميين في كثير من الأحداث، وأهم هذه الأحداث قتل لوشى أندروز الحاكم العسكري البريطاني لمنطقة الجليل الذي كان حاقداً على المسلمين ممالئاً لليهود، وكان له دور كبير في تمليك الأراضي الفلسطينية لليهود بعد أن سلبها من أصحابها، وشدد قبضته على الصحف العربية فمنعها أن تنشر شيئاً يتعلق بضرورة مقاومة الهجرة اليهودية ووجوب مقاتلة اليهود، وحينما قررت الحكومة القيام بمشروع إنشائي برأسمال مليون جنيه جعل أندروز هذا المشروع وكراً لليهود، وأقنع الحكومة بإلغاء الجزء المخصص لمساعدة العرب المطرودين من أراضيهم.

الحكم بالإعدام على الشيخ فرحان السعدي:

وبمجرد القبض على الشيخ فرحان السعدي شكلت محكمة عسكرية بريطانية لمحاكمته، وقد أعدت الحكم مسبقاً، ولم تستغرق محاكمته سوى ساعتين إذ بدأت المحاكمة من الساعة العاشرة من صباح 24/11/1937م وانتهت في الساعة الثانية عشرة ظهراً ولم تمكّن المحكمة المحامين من المرافعة ولا من إحضار شهود نفي.

وامتنع الشيخ عن الكلام أثناء المحاكمة، إذ كان صامتاً قليل الكلام، إلا أنه كان جريئاً إذا كلم، وحين سأله رئيس المحكمة: هل أنت مذنب؟ أجاب وهو مقيد: معاذ الله أن أكون مذنباً.

لقد أعلن رئيس المحكمة على الفور الحكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في 27/11/1937م الموافق 14 رمضان 1356 هـ، وكان الشيخ صائماً، وظل صائماً وأعدم وهو على هذه الحالة.

لقد تقدم الشيخ فرحان السعدي رحمه الله إلى حبل المشنقة بخطى ثابتة، ونفس تواقة للشهادة يردد قوله تبارك وتعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً}.

وودعه إخوانه المجاهدون في سجن عكا من خلف أبواب الزنازين التي يربضون فيها، وهم يهتفون بملء حناجرهم بصوت واحد هز جميع أرجاء السجن وأذهل الطغاة القساة: الله أكبر على من طغى وتجبر، إلى جنة الخلد يا فرحان.

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ فرحان السعدي رحمه الله قد وجه ليلة إعدامه رسالة إلى أهله وإخوانه المجاهدين قال فيها: "إني سعيد بلقاء ربي.. غداً ألقى الأحبة الشيخ القسام وصحبه"، وطلب من إخوانه المجاهدين أن يواصلوا الكفاح ويحرروا أرض الإسراء والمعراج من الإنجليز المحتلين المتآمرين ومن اليهود الطامعين.

لقد انبرى الخطب والشعراء يرثون الشيخ فرحان السعدي رحمه الله ومن أبلغ ما قيل من الشعر في رثائه ما قاله الأستاذ عبد الكريم الكرمي الشاعر الفلسطيني يخاطب الأمة العربية حكاماً ومحكومين:

قوموا اشهدوا فرحان فوق جبينه أثر السجود 

يمشي إلى حبل الشهادة صائماً مشي الأسود 

سبعون عاماً في سبيل الله والحق التليد 

خجل الشباب من المشيب بل المسنون من القعود 

وبعد إعدام الشيخ فرحان السعدي رحمه الله ذهبت قوة بريطانية إلى قريته نورس، وطوقت دار الشيخ الشهيد، وأخذت بمصادرة كل ما يتعلق بالشيخ من صور وألبسة وسروج الخيل حتى تمحي صورة هذا البطل، وما علموا أنها نقشت في قلب كل مجاهد.

فلقد تألفت في فلسطين بتاريخ 2/12/1937م الموافق 19 رمضان 1356 هـ أي بعد إعدامه بخمسة أيام فقط عصابة من المجاهدين كبيرة أطلقت على نفسها اسم: (إخوان فرحان) وجعلت لها فروعاً في معظم مدن فلسطين، وكان من أبرز رجالها المجاهد سرور العبد الله من أتباع الشيخ فرحان ورفيقه في الجهاد.

وصية الشهيد:

لقد كتب الشهيد الشيخ فرحان السعدي وصيته بخط يده وأودعها عند إدارة السجن المركزي بعكا وهذه صورة عنها:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى ولدنا عبد الله.. أوصيك باحترام أمك، ودير بالك على أشغالك، ويجب أن يكون قبري قرب النبي يوشع، وأسباب وفاتي هي معلومة للجميع، يا ولدنا عبد الله ارض على إخوانك من بعدي وخليهم يسامحونا.

أخي الحاج نمر أوصيك بأولادنا، وخلوا سعد الشيخ سلمان يكون موجوداً بالدار عند العيال لعند ما يكبروا، أوصيك بعدم البكاء.

أخي سعد الطه أوصيك بمراقبة ولدي عبد الله وأحمد مع أخي الحاج نمر وأولاده، بلغوا سلامي إلى عموم أهل نورس والمزار.

والتقوى خير وأبقى

1937/11/26م 

الإمضاء 

راجي عفو الديان فرحان السعدي

آخر مقابلة مع الشهيد فرحان السعدي:

لقد نقل آخر كلمات نطق بها الشيخ فرحان رحمه الله أخوه الحاج نمر السعدي قال: دخلت عليه قبل الإعدام ببضع دقائق فوجدته رابط الجأش يسبح بحمد الله، ولا تفارق الابتسامة وجهه، فسألته عما يريد أن يوصيني به فقال: أوصيكم بولدي وبناتي خيراً، وأرجوا أن تعتنوا بهم، ثم قال وقد عرضنا عليه تنفيذ الاقتراح القائل بدفن جثمانه بجانب زميله الشيخ عز الدين القسام، فاعتذر متأسفاً لأنه يرغب أن يدفن في قرية نورس بجوار النبي يوشع الذي كان يراه في منامه.

وقد طلب مني أن أصحح ما نشر في الصحف من أن البوليس وجد في جيبه مائتي جنيه قائلاً: إن البوليس لم يجد في جيبه شيئاً، وقال: أرجو ألا تبكوا علي لأن البكاء يعد اعتراضاً على حكم الله، وهذا حرام، ولما ودعناه الوداع الأخير أخذنا نبكي فأخذ يشجعنا ويهون علينا المصيبة.
 

Loading...

البطاقة الشخصية

اطفـال العائـلة
أحباء فى الذاكرة